الثلاثاء، مايو 19، 2009

الدورة الداروينية للأفكار (2 - 2)


لعل الكثير من الناس يؤمن جدا بالتفاعلات والتغيرات البيئية التي تحدث أمام عينيه وتبرهن لها الدراسات والنظريات العلمية، ولكن القليل منهم يعتقد أن الأفكار كذلك، فهي أيضا تحدث لها الكثير من التغيرات المعرفية والتفاعلات؛ فتتعايش وتتكاثر وتتقاتل وتكبر وتموت؛ بل وتنقرض أيضا! مثلها مثل الكائنات البشرية في دورتها المادية؛ إلا أن للفلسفات والأفكار والآراء دورة وجودية تختلف عن دورة الحياة المادية لكنها تشبهها إلى حد كبير؛ وهذا ما عرّجت عليه في مقالي السابق.
ولنأخذ مثلا واحدا يدلل لنا أن الأفكار قد تموت بل وتنقرض تماما من خارطة الأفكار البشرية بحيث لا يكاد يصدق عاقل أن هذه الفكرة كانت هناك من قبل؛ مثلما انقرضت بعض الأحياء كالديناصورات من خارطة البيئة اليوم.
ففي موضوع الأمراض وطريقة انتقالها بين البشر؛ كانت بعض الحضارات القديمة تنسبها إلى الآلهة والأرواح الشريرة؛ مثبتة بالبراهين آنذاك صحة ادعائها هذا؛ إلى أن جاءت الحضارة اليونانية وأولت الطب اهتمامها الكبير، وبرز فيهم الطبيب "أبقراط" ليثبت بدراساته وأبحاثه أن عملية انتقال الأمراض بين البشر تجري وفق عملية طبيعية بحتة لا دخل للآلهة ولا للأرواح الشريرة بها مطلقا، ولكم أن تتصوروا مقدار الاعتراضات والردود والمناقشات التي جوبه بها هذا العالم حتى أثبت صحة نظريته للعالم أجمع؛ متحديا سيل الانتقادات والاعتراضات والردود بدراساته وبراهينيه ليس إلا، وتتوالى الدراسات بعد ذلك لتبلغ أوجها وتترسخ في ذاكرة البشرية جمعاء بما لا يدع مجالا للشك في ظل حضارة اليوم، ليصبح الحديث عن أن انتقال الأمراض بين البشر هو بفعل الأرواح الشريرة أو الآلهة ضربا من الخبال والجنون.
[1]

إننا حين نقرر مثل هذا الأمر يجب علينا في غمرة حواراتنا ونقاشاتنا حول الكثير من القضايا والأفكار والنظريات والفلسفات أن لا يحكمنا الانفعال الشديد والاحتقان والتوتر وربما سوء الظن والسباب والشتائم؛ لأن كل فكرة يدور حولها النقاش سوف تأخذ مسارها بتلقائية شديدة ليصل العقل الفردي والجمعي إلى اعتناق أجداها وأكثرها تحقيقا لسعادته وصلاحه واستقراره، وهذا سوف يعطينا ثقة كبيرة حين نناقش أي فكرة مهما كانت خطورتها، وذلك بأن نتناولها بكل رشد وعقلانية وهدوء، ما دمنا نجعل الحقيقة – والحقيقة فقط – هي رائدنا وهدفنا النهائي الذي نصبو إليه جميعا مهما اختلفت رؤانا وخلفياتنا الفكرية والاجتماعية والمعرفية.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] ) في نهايات القرن الخامس قبل الميلاد أسس "أبقراط" مدرسة للطب، وكان هو أول من قال إن الأمراض تنتج عن أسباب طبيعية وليس بسبب الآلهة. (تاريخ الحضارة اليونانية – سيتوارت روس)

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق