السبت، ديسمبر 13، 2014

فتنة النوافذ



لا أعترفُ بالأبواب!

           كان أبي نجارا..
لكنه كان يترك لنا فراغات على جدار غرفنا
كي نملأها بما نشاء.. بمن نشاء!

لكنني لا أعترف بالأبواب!
صداقتي الأعمق مع النوافذ!
فهي من تخبرنا بمواعيد المطر
وتسمح لأشعة الصباح بالتسلل إلى فرش نومنا!

الأبواب حرّاس..
وذكرياتي مع الحرّاس سيئة!

بداية بحارس مدرستي الابتدائية..
الذي كان يمنعنا من الانطلاق لمعانقة نسائم الصباح الأولى..
بينما يأذن بأن ننطلق إلى شمس الظهيرة الحارقة!
كم كان قاسيا!!

مرورا بحارس المرمى
الذي كان يسوءه أن نبتهج!
فحين نهمّ بقذف الكرة إلى شِبَاك أحلامنا
كان ينقضّ في شراسة عليها ضاحكا!!
بينما.. كم كان يغضب حين ننجح في هز شِباك بهجتنا
وكثيرا ما كان يمطرنا بالشتائم!

وسخطي بحارس البنك لا يحد..
رغم ابتسامته العرجاء!

***

الأبواب منافقة..
فبينما تبدو في الخارج هادئة وصارمة.. ونظيفة
تظل في الداخل سكرى بالضوضاء.. ومخنوقة بالخجل!
وملطخة بالذكريات!!

*   *   *

النوافذ عرائس نحضنها بشغف..
ولا نمل من احتضانها حتى الفجر!

ذكرياتي مع النوافذ معتقة بتفجّر البدايات..
فكم لمحت من خلالها جارتي الصغيرة وهي ترمي بعلب الشيكولاتة الفارغة..
وتقفز عائدة إلى الداخل كالفراشات!

ولا يزال الباب يمارس تسلطه على جسدها المانح..
وعلى هواي المستجدي!

للنوافذ أصوات النوارس!
فكم كانت تناديني لأكون شاهدا على الكثير من مغامرات الحب..
والكثير من جرائم الصداقة.. وتهاويل الرجال!
وعلى الكثير الكثير من غوايات النساء!

كم روت لي النوافذ الكثير من الحكايات عن جنيات المساء اللاتي يخبئن ذيولهن الطويلة تحت عباءاتهن!
ووعدتني بأن تريني بعضهن.. وهن يتسكّعن في أنصاف الليالي..
لكنها لم تف بوعدها..
وحتى هذه اللحظة لا زلت أرقبهن في أنصاف الليالي.. ربما سألمح ذيولهن المختبئة!

***

النوافذ معابر .. نعبر من خلالها إلى فتنة المساءات
وهي تتلفع بملاءات النجوم!
ونحو المجهول.. وهو يبتلع أحلامنا الصغيرة..
ويعدنا بأن يشبع نزواتنا اللامتناهية.

*   *   *

حين يمارس الباب تسلطه على أجسادنا..
تتحول النوافذ إلى سراديب لأرواحنا.. نحو الفراغ البعيد!

نافذة الغرفة.. نافذة السيارة.. نافذة الدردشة
جميعها تشعرنا بروعة بالانتظار
بتلويحة حبيب..
بنسمات باردة من جنوب الهوى!

فتنة النوافذ.. لا تحجبها صرامة الأبواب
مهما كانت فظة!

*   *   *